كلمة النائب محمد الحامدي رئيس كتلة العريضة الشعبية للحرية والعدالة والتنمية في جلسة المجلس الوطني التأسيسي الخاصة بمناقشة
ملامح الدستور الجديد، في تونس، يوم الثلاثاء 28 فيفري 2012
بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين داعية التوحيد والعدل والحرية ومكارم الأخلاق ونصير الفقراء والمظلومين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
السيدة نائبة رئيس المجلس الوطني التأسيسي والسادة الزملاء النواب
إن صياغة الدستور الجديد لبلادنا هي المهمة الأساسية التي انتخبنا جميعا من أجلها، ويجب أن نتعاون جميعا بروح المحبة والإخاء والتعاون لإنجاز هذه المهمة.
أتحدث اليوم باسم كتلة العريضة الشعبية للحرية والعدالة والتنمية.
تيارنا ولد يوم 28 ربيع الأول 1432 هـ الموافق لـ 3 مارس 2011 م، بميلاد العريضة الشعبية للحرية والعدالة والتنمية. وقد تضمنت العريضة المبادئ والأهداف الرئيسية التي سنعتمد عليها خلال إسهامنا مع بقية الزملاء النواب في صياغة الدستور الجديد لبلادنا.
العريضة الشعبية للحرية والعدالة والتنمية تقوم على الدعوة لدستور ديمقراطي يحترم مبادئ حقوق الإنسان وأسس الهوية العربية الإسلامية لتونس. وتتبنى العريضة الشعبية أيضا مهمة الدفاع عن الفقراء والمحرومين ومبادئ العدالة الإجتماعية من خلال الدعوة لاعتماد نظام الصحة المجانية ومنحة البطالة للعاطلين عن العمل مقابل يومي عمل منهم لفائدة المجموعة الوطنية.
في رأينا أن ثورة 17 ديسمبر، ثورة الحرية والكرامة قامت من أجل تحقيق هذه الأهداف التي تضمنتها العريضة الشعبية للحرية والعدالة والتنمية. وأريد أن أدخل بعمق أكثر في صميم موضوع الدستور.
بالنسبة إلينا المعركة التي سنكافح من أجلها والمهمة التي انتخبنا شعبنا الأبي من أجلها، هي أن نضمن الحقوق الإجتماعية الأساسية للتونسيين في الدستور الجديد وعلى رأسها الحق في العمل، أو في منحة البطالة لحين الحصول على عمل قار، والحق في الصحة المجانية، والحق في التعليم المجاني عالي الجودة، وضمان حق كل فقير في تونس أن تقف الدولة إلى جانبه لتأمين مطعمه ومشربه ومسكنه وملبسه وأمنه، وضمان حقوق وكرامة ذوي الإحتياجات الخاصة، والدفاع أيضا عن الأم والطفل والمؤسسة العائلية بشكل عام.
الحقوق الإجتماعية التي تمثل جوهر رسالة العريضة الشعبية والتي قامت ثورة 17 ديسمبر من أجلها، هي معركتنا الكبرى. أريد أن يكون هذا واضحا جدا للزملاء النواب وللشعب التونسي بأسره. ونحن نؤمن أيضا أن هذه الحقوق الإجتماعية لا يمكن عزلها عن ضمان الحقوق السياسية للتونسيين. من أجل تأمين الكرامة الإجتماعية، والعدالة الإجتماعية، يجب أن يقوم في بلادنا نظام سياسي حر يضمن الحرية والكرامة ويصون حقوق التونسيين والتونسيات جميعا بدون استثناء، وجميع من يقيم في بلادنا العزيزة.
إن مرجعيتنا الفكرية في التعاطي مع موضوع الدستور تستند إلى ثلاثة أسس:
- الأساس الأول هو تعاليم الإسلام الواردة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
- الأساس الثاني هو أشواق الحرية في قلوب التونسيين وتراث شعبنا العريق في الكفاح من أجل الحرية، هذا الكفاح الذي عبر عنه بطريقة رائعة واستثنائية صاحب قصيدة إرادة الحياة وقصيدة تونس الجميلة شاعرنا الفذ أبو القاسم الشابي.
- وأما الأساس الثالث الذي يحدد مرجعيتنا الفكرية في التعاطي مع موضوع الدستور فهو التجربة الغربية المعاصرة في إقامة نظام سياسي ديمقراطي، ونظام متطور للرعاية الإجتماعية يضمن للمواطن في المجتمعات الغربية عندما يكون عاطلا عن العمل، يضمن له منحة البطالة ومنحة السكن والتغطية الصحية المجانية.
بناء على الأولويات والأهداف التي جاءت العريضة الشعبية لتخدمها بإخلاص، وهي في حقيقتها الأهداف الأساسية للثورة، وبناء على أسس المرجعية الفكرية لتيارنا والتي أوضحتها آنفا، فقد قمنا بصياغة مشروع دستور متكامل أعده زعيم ورئيس تيار العريضة الشعبية الدكتور محمد الهاشمي الحامدي، وتبنته كتلتنا بعد نقاش ساهم في إثراء المشروع.
الدستور الذي قدمناه والذي نقترحه على زملائنا في المجلس الوطني التأسيسي أساسا للنقاش يضمن الحريات الفردية والعامة لجميع المواطنين والمقيمين من الرجال والنساء، من المسلمين واليهود وغيرهم.
وهو دستور يؤسس لنظام فيه رئيس منتخب من الشعب، وسلطة تشريعية من غرفتين منتخبتين من الشعب، هما مجلس النواب ومجلس الشورى، ولهما سلطات واسعة في التشريع والرقابة تصل إلى حد سحب الثقة من الوزراء ومن الحكومة كلها، وسلطة قضائية مستقلة يشرف عليها مجلس أعلى للقضاء يرشح رئيس الجمهورية أعضاءه ولا يباشرون مهامهم إلا إذا صادق عليهم مجلس الشورى المنتخب فردا فردا، وهيئة مستقلة دائمة للإنتخابات تتكون من قضاة متفرغين يرشحهم رئيس الجمهورية ولا يباشرون مهامهم إلا إذا صادق عليهم مجلس الشورى المنتخب فردا فردا.
وفي الدستور الذي نقترحه على المجلس الموقر، رأينا نشر الديمقراطية المحلية، وتعزيز نظام حكم لا مركزي يعطي سكان كل عمادة ومعتمدية وولاية من ولايات الجمهورية كلمة حاسمة في إدارة شؤونهم. من هنا اقترحنا أن يكون للسكان حق انتخاب العمدة والمعتمد والوالي، وحق مراقبتهم ومحاسبتهم على عملهم في خدمة مواطنيهم. وبالإضافة إلى هذا كله يضمن دستورنا المقترح حياد الإدارة العمومية ويلزم الدولة برعاية مصالح وحقوق جميع التونسيين المقيمين في الخارج.
يتضمن هذا الدستور الذي نقترحه عليكم حقوقا سياسية واجتماعية لا توجد في أي دستور آخر معاصر. نحن لا نبالغ عندما نطلق هذا الحكم ومشروعنا منشور في الإنترنت وكل من يطلع عليه يكتشف صدق ما نقول.
لقد استلهمنا هذا التوجه التحرري التقدمي من مرجعيتنا الفكرية، وبوجه خاص من أنوار الهدي الذي جاء به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وغير به وجه الدنيا وانتصر به للفقراء والمظلومين ولمبادئ العدل والحرية وكرامة الإنسان.
من هنا اقترحنا في الفصل الأول من الدستور أن يكون الإسلام المصدر الأساسي للتشريع، وطورنا الفصل الأول في دستور 1959 ليكون هكذا:
ـ تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة، الإسلام دينها والمصدر الأساسي لتشريعاتها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها. وقلنا في الفصل الثاني: نظام الحكم ديمقراطي، يطبق الشورى، ويضمن الفصل والتوازن بين السلطات، ويضمن الحرية والكرامة لجميع المواطنين والمقيمين من الرجال والنساء.
أعرف أن البعض لديهم تحفظ على أن يكون الإسلام المصدر الأساسي لتشريعات الدولة وفي رأينا أن هذا التحفظ قائم على مخاوف غير مبررة.
المشروع الذي أعده رئيس تيار العريضة الشعبية للحرية والعدالة والتنمية الدكتور محمد الهاشمي الحامدي، لم يكرر العبارة التقليدية المعروفة في كثير من الدساتير العربية الأخرى، وهي أن الشريعة هي المصدر الأساسي للتشريع. لقد استخدم عبارة الإسلام لأن الإسلام أوسع في مفهومه ومعناه من المعنى الإصطلاحي الشائع للشريعة.
شعبنا بأغلبيته الساحقة مسلم، والإسلام أساس هويته الثقافية والحضارية والمرجع الأساسي لنظمه القانونية منذ نحو أربعة عشر قرنا. وبسبب تعاليمه التي تعلي من كرامة الإنسان وتقبل بالتعددية الدينية وحرية الفكر والإعتقاد، لم يعرف مجتمعنا أبدا ما عرفته مجتمعات أخرى من فصول مأساوية اضطهد فيها ملايين البشر لأنهم مختلفون في الدين أو اللون أو العرق.
نحن نقول لزملائنا المحترمين في المجلس وللعالم بأسره لا يوجد مبرر للخوف من اعتماد الإسلام مصدرا أساسيا للتشريع. الإسلام يقرر كرامة التونسيين والبشر أجمعين مسلمين وغير مسلمين، في قول الله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم).
القرآن الكريم يعلمنا: "إن الله يأمر بالعدل". ويعلمنا: وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل.
القرآن الكريم يأمرنا بالشورى. إنه يأمر النبي صلى الله عليه وسلم: في قول الله تعالى "وشاورهم في الأمر". ويبين المنهج السياسي الإسلامي في قول الله تعالى: "وأمرهم شورى بينهم".
الإسلام يحرم استغلال الفقراء والزواولة وعمال الحضائر والمحرومين والذين ليس لديهم واسطة وأكتاف، ويعلمنا: "ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل".
الإسلام يعلمنا أن المجتمع قائم على كرامة الرجل والمرأة معا، والله تعالى يقول: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض).
الإسلام يعلمنا أن رباط الزوجية رباط عظيم وأساس الأسرة الصالحة القائمة على الحب والمودة والرحمة. والإسلام يبين لنا أن العائلة السعيدة هي الركن الأساسي للمجتمع المتماسك السعيد. وقد قرن القرآن الكريم بين توحيد الله وبر الوالدين. يقول الله تعالى: "وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا").
الإسلام أمرنا بالصدق والأمانة والحفاظ على العهود وحفظ مال اليتيم وتأمين اللاجئ وإعانة المحتاج وإكرام الجار ونصرة المظلوم، وجعل العدالة الإجتماعية منهجا للمجتمع المتحضر كي لا يكون المال دولة بين الأغنياء ومحتكرا من قبل أقلية قليلة من الشعب.
والإسلام أمرنا بالسعي إلى السلام مع شعوب العالم والتعارف مع بقية الأمم والتعاون على ما فيه خير البشرية جمعاء. وقد أمرنا الإسلام أمرا بحماية البيئة وبضمان حقوق الحيوان.
هذه المبادئ والقيم التي تأسست على التوحيد وأركان الإسلام المعروفة هي التي حافظت على جاذبية الإسلام على مدار التاريخ. هي التي أقنعت التونسيين قبل ما يقرب من 14 قرنا باعتناق الإسلام وتبني لغة القرآن الكريم. هي التي جمعت حول رسول الله صلى الله عليه وسلم وحول رسالته بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي ومحمد علي كلاي الأمريكي ومحمد أسد النمساوي ومئات الملايين من البشر الذين أشرقت قلوبهم وامتلأت حياتهم سعادة بأنوار الإسلام.
وهذه القيم والتعاليم هي ما حاولنا أن نعبر عنها في مشروع الدستور الذي نقدمه لزملائنا في المجلس وللرأي العام التونسي وجميع المهتمين بموضوع الحرية والإسلام. دستورنا يترجم حقيقة الإسلام، فهو ليس مجرد نظام للعقوبات الجنائية، وإنما هو مصدر هداية وإلهام يضمن سعادة الفرد والمجتمع ويضمن للإنسان الفوز في الدنيا والآخرة. ولأنه هكذا، ولأن آباءنا وأجدادنا كانوا على دراية بهذه الحقيقة فقد تعلقوا به واستلهموا أحكامه وقيمه للدفاع عن حرية تونس واستقلالها كلما طمع فيها غاز أو مستعمر.
وبهذه القيم الروحية أيضا واجه شعبنا الإستبداد والمستبدين وسيظل الإسلام دائما إيديولوجية تحررية تتكسر عليها مشاريع الطغاة والمستبدين.
أقول لزملائي في المجلس ولكل من يسمعني، أقول ما قاله الدكتور محمد الهاشمي الحامدي رئيس تيار العريضة الشعبية وهو يرد على مخاوف المتخوفين من اعتماد الإسلام مصدرا أساسيا للتشريع. قال: لزيادة الإيضاح وإزالة أي سوء فهم أو سوء تأويل، فإن عبارة "الإسلام دينها والمصدر الأساسي لتشريعاتها" يوجد شرحها وتفسيرها في بقية الفصول المائة التي تلي الفصل الأول من هذا الدستور الذي اقترحناه، والتي تترجم فهم أصحاب هذا المشروع للإسلام باعتباره دين الحرية والعدل والعدالة الاجتماعية والشورى وحقوق الإنسان وكرامة جميع البشر من الرجال والنساء وحق جميع التونسيين في العمل والصحة والتعليم وضمان استقلالية القضاء ونزاهة الانتخابات. وبهذا فان كل من يقرأ الفصول من 2 إلى 101 من الدستور يجد فيها شرح الفصل الأول منه.
هذا ما نؤمن به في تيار العريضة الشعبية وما عبرنا عنه في الدستور الذي نقترحه عليكم منطلقا للنقاش.
نحن نرى بصدق وإخلاص أن في الدستور الذي نقترحه عليكم الخير كل الخير لتونس العزيزة وشعبها الأبي. نقدمه لكم بصدق وتواضع ونتطلع إلى المساهمة معكم بحماس وحرص وإخلاص من أجل صياغة دستور جديد يستلهم القيم العظيمة للإسلام ويعبر عن تطلعات التونسيين الشجعان الذين فجروا الثورة وكافحوا ضد الإستبداد طيلة العقود الماضية، ويعبر عن أشواقهم العميقة للحرية والعدالة والكرامة.
إننا ندعو التونسيين كافة وشباب تونس بوجه خاص في الجامعات والمعاهد الثانوية لتبني لهذا الدستور إيديولوجية للحرية والعدالة، وإننا نرفع هذا الدستور في وجه كل طاغية ونقول له بلسان ثاني الخلفاء الراشدين عمر الفاروق رضي الله عنه: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.
زملائي: أقول لكم بكل تواضع ومحبة، الشعب التونسي يريد دولة مدنية ديمقراطية، تستند الى المرجعية الإسلامية وتصون حقوق الإنسان وتنفتح على التجارب الحضارية العالمية وهذا ما يضمنه دستور العريضة الشعبية.
نحن نتطلع الى مساندتكم لهذا الدستور كورقة أساسية للنقاش. ونحن نخاطب إخواننا نواب حركة النهضة بوجه خاص، نريد منكم بكل لطف ومحبة أن توضحوا لنا موقفكم، هل تؤيدون النص على أن الإسلام هو المصدر الأساسي للتشريع أم لا؟ تونس تحتاج الى موقف واضح وصريح، لأنكم الكتلة الأكبر في هذا المجلس.
ونقول لإخواننا نواب أحزاب المؤتمر التكتل والكتلة الديمقراطية وبقية الإخوة المستقلين، نحن نتطلع الى دعمكم جميعا لهذا الدستور، لأنه يجمع بين مدنية الدولة من جهة ويلبي أشواق الشعب التونسي في تأكيد موقع الإسلام كمصدر أساسي للتشريع من جهة أخرى.
ونقول أيضا لإخواننا في التلفزة الوطنية وفي الإذاعة الوطنية وفي بقية الفضائيات والإذاعات الأخرى: إن دستورنا المقترح يدافع عن حرية الإعلام، ويمنع تقييدها بأي قانون، فهل من العدل والإنصاف أن تستمروا في تجاهل تيار العرضة الشعبية للحرية والعدالة والتنمية، وفي حجب صوتنا عن الوصول الى الناس؟ ألسنا تونسيين، ألسنا ممثلين في المجلس التأسيسي؟
ظلمكم وإقصاؤكم لنا مستمر منذ سنة ونيف، ورغم فوزنا في الانتخابات مازلتم تظلموننا وتعاملوننا بالإقصاء والتهميش. ماذا تريدوننا أن نفعل لتعاملوننا بالعدل مثل بقية التيارات التونسية؟ هل تريدوننا أن نضرب عن الطعام هنا في المجلس ليتوقف ظلمكم لنا؟ أم نعتصم في العراء أمام مقراتكم لتعاملوننا بالعدل والإنصاف؟
مئات الآلاف من التونسيين كلفونا بتمثيلهم وإيصال أصواتهم ومطالبهم لبقية أفراد الشعب، وهؤلاء الناخبون يدفعون 20 بالمائة على الأقل من ميزانية التلفزة والإذاعة الوطنيتين. فبأي قانون وبأي منطق تستمر هذه المظلمة الإعلامية المسلطة على تيار العريضة الشعبية وأنصاره؟
وأقول لزملائي في المجلس بتواضع ومحبة، الشعب التونسي يريد دولة مدنية ديمقراطية تستند الى المرجعية الإسلامية، وتصون حقوق الإنسان، وتنفتح على كل التجارب الحضارية المعاصرة.
وشكرا لكم جميعا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
|